لطالما أكّدت الكنيسة حاجة الضمير الإنسانيّ إلى تثقيفٍ وتربيةٍ مستمرَّين وتنمية مُستدامة، لئلّا يتأثّر سلبًا بثقافة المجتمع أو بضغوط رأي الأغلبيّة، كما قد يحدث في بعض المجتمعات الديمقراطيّة.
فواجبُ المسيحيّ - أن يكون مواطنًا صالحًا يحترم النظام العامّ والقانون - لا يتعارض البتّة مع دعوته إلى أن يكون شاهدًا لإيمانه وللحقيقة، حتّى عندما تخالف الحقيقة الثقافة أو العقليّة السائدة.
أبرَزَ الخورأسقف منتصر حدّاد، النائب الأسقفيّ العام لأبرشيّة سيّدة النجاة للسريان الكاثوليك في الولايات المتّحدة الأميركيّة، في حديثه، أهمّية تشجيع الصلاة، والتأمّل في الكتاب المقدّس، والاطّلاع على تعليم الكنيسة، والاستعانة بمرشدٍ روحيّ في تثقيف الضمير، بما يُمكّن المؤمن من التمييز بين ما هو قانونيّ وما هو صالح.
التوافق مع حكمة الخالق
واسترشدَ بالتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكي وتأكيده ضرورة تثقيف الضمير وتربيته، وبخاصّةٍ حين يتعلّق الأمر بكائنات بشريّة خاضعة لمؤثّرات سلبيّة ومُجَرَّبة بخطيئةِ تفضيلِ حكمِها الخاصّ. لكن حين يكون الضمير مُطّلعًا، يأتي الحكم الأخلاقيّ مستنيرًا، ويُصدِر الضمير أحكامه «وفاقًا للعقل، ومتوافقة مع الخير الحقيقيّ الذي أرادته حكمة الخالق».
ولكن، هل يكفي ألّا يُخالف الإنسان القانون ليكون صالحًا؟ الجواب المسيحيّ، وفق حدّاد، هو: لا. وفسَّر: «قد يلتزم الإنسان جميع قوانين الدولة، لكنّه يهمل وصيّة الله، أو يشارك في ممارسات تمسّ كرامة الإنسان. لذلك، فالقداسة لا تبدأ عند التزام القانون، وإنّما من أمانة الإنسان لصوت الله في ضميره».
لا يُقاس الإيمان إذن بما تسمح به القوانين، بل بمدى أمانة الإنسان للمسيح الذي يبقى المرجع الأعلى للحقيقة والحرّية، «هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ»، وهو منبع القداسة ومركزها وهدفها، ولا يُمكن الاستغناء عنه بالتزامِ بعض القوانين المدنيّة مهما كانت جيّدة. فلا يكفي ألّا تُخالفَ القانونَ لتكونَ إنسانًا صالحًا. فقد يكون الإنسان مواطنًا ملتزمًا القانون، لكنّه يعيش بعيدًا عن الله.
مواطن صالح أم قدّيس؟
«قد يُغيّر المجتمع قوانينه من زمنٍ إلى آخَر، لكنّ حقّ الله لا يتغيّر. وقد يصبح الخطأ قانونيًّا، لكنّه لن يغدو صلاحًا أمام الله. فالصلاح في المسيحيّة لا يُقاس بعدم ارتكاب الجرائم فقط، بل بمحبّة الله والقريب ونقاوة القلب. ولذا، سيكون السؤال الأهمّ لدى المسيحيّ: هل يُقرّبني هذا من المسيح؟ وليس: هل يسمح القانون بهذا؟ فالقانون قد يصنع مواطنًا صالحًا، أما الإنجيل فيصنع إنسانًا قدّيسًا».
وختم حدّاد: «في عالم تتبدّل فيه التشريعات بتبدّل الأزمنة والثقافات، يبقى تعليم الكنيسة ثابتًا في الدعوة الدائمة إلى تكوين ضميرٍ حيٍّ، قادر على التمييز، وشجاعٍ في اختيار الخير، حتى عندما يكون السير في طريقه أكثر صعوبة. فالقانون المدنيّ ينظّم المجتمع، أمّا الإنجيل فيقود الإنسان إلى القداسة، وهذه هي الرسالة التي يحملها المسيحيّ في كلّ زمانٍ ومكان».
المصدر: آسي مينا / جورجينا حبابه