Aller au contenu principal

لا تخافوا: الوجود المسيحي في الشرق الأوسط بين التحدّي والرجاء

موقع أبونا

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

تتردّد في الكتاب المقدّس عبارة «لا تخافوا» بوصفها كلمة إلهيّة موجّهة إلى الإنسان في لحظات الهشاشة التاريخية والوجودية، لا بوصفها نفياً بسيطاً لمشاعر الخوف، بل كإعلان لسيادة الله على التاريخ، ولحضور نعمته في قلب الأزمات. حين نضع هذه الكلمة في سياق الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، ندرك أنّها ليست مجرّد تعزية روحية، بل مبدأ لاهوتي‑أنثروبولوجي يحدّد معنى هذا الوجود، ويكشف في الوقت نفسه عن طبيعة التحدّي الذي يعيشه المسيحيون في هذه المنطقة، بين واقع معقّد ورجاء لا يُختزل في الحسابات البشرية.

الوجود المسيحي في الشرق الأوسط ليس ظاهرة ثانوية أو طارئة في مسار التاريخ، بل هو امتداد لسرّ التجسّد نفسه في الأرض التي منها انطلقت البشارة إلى العالم. وقد عبّر القديس يوحنا بولس الثاني عن هذا البعد حين قال إنّ «الشرق هو مهد المسيحية، ومنه انطلقت أنوار الإنجيل إلى العالم»، مؤكّداً أنّ هذا الوجود ليس مجرّد إرث تاريخي بل جذراً لاهوتياً لا يمكن اقتلاعه. وهذا ما شدّد عليه البابا بنديكتوس السادس عشر أيضاً عندما وصف المسيحيين بأنّهم «حجارة حيّة في أرضٍ مقدّسة»، في إشارة إلى أنّ حضورهم يحمل معنى يتجاوز المعطيات السياسية والديموغرافية.

فالمسيحيون في الشرق الأوسط اليوم يواجهون تحدّيات متعدّدة الأبعاد: ديموغرافياً، هناك نزيف هجرة مستمر، وتراجع في نسب الولادات، وشعور متزايد بعدم الأمان يدفع الكثيرين إلى البحث عن مستقبل في أماكن أخرى؛ سياسياً وأمنياً، يعيشون في دول تعاني من الحروب، وعدم الاستقرار، وتقلّبات الأنظمة، وغالباً ما يدفعون ثمن صراعات لم يكونوا هم من أشعلها؛ اقتصادياً، يرزحون تحت وطأة الفقر والبطالة وانهيار البنى التحتية، ما يجعل البقاء في الوطن خياراً صعباً، لا سيّما للشباب؛ ثقافياً ودينياً، يواجهون صعود تيارات متشدّدة، وتحولات عميقة في أنماط التفكير والعيش، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على مفهوم التعدّدية والعيش المشترك. وقد لخّص البابا فرنسيس هذا الواقع بقوله إنّ «الشرق الأوسط بدون المسيحيين لن يكون الشرق الأوسط»، مؤكّداً أنّ حضورهم عنصر بنيوي في هوية المنطقة، لا مجرّد مكوّن اجتماعي قابل للزوال.

هذا الواقع المعقّد دفع كثيرين إلى الكتابة عن «أزمة المسيحيين في الشرق الأوسط» بجرأة وشفافية، وفي أحيان كثيرة بقدر من التشاؤم الوجودي. هناك دراسات سياسية، وتحليلات اجتماعية، وتقارير حقوقية، ترصد الأرقام، وتصف الوقائع، وتقدّم سيناريوهات مستقبلية، بعضها يذهب إلى حدّ الحديث عن «نهاية» الوجود المسيحي التاريخي في هذه المنطقة، أو عن تحوّله إلى حضور رمزي محدود. هذه الكتابات، على أهميتها، تبقى في إطار القراءة الوصفية أو التحليلية، وتتحرّك ضمن منطق المعطيات البشرية وحدها، حتى عندما تكون منفتحة وصادقة وشفافة. غير أنّ الكنيسة، حين تقول كلمتها في هذا الموضوع، لا تكتفي بأن تكرّر ما تقوله هذه الدراسات، ولا أن تنفيه بطريقة عاطفية، بل تنطلق من رؤية لاهوتية وواقعية في آن واحد، تجعل من عبارة «لا تخافوا» مفتاحاً لفهم معنى هذا الوجود ورسالة هذا الحضور.

أمّا الكنيسة، حين تقول كلمتها، فلا تكرّر ما تقوله هذه الدراسات ولا تنفيه بطريقة عاطفية، بل تنطلق من رؤية لاهوتية وواقعية في آن، تجعل من عبارة «لا تخافوا» مفتاحاً لفهم معنى هذا الوجود ورسالة هذا الحضور. فهي أولاً، ترفض أن يُختزل الوجود المسيحي في الشرق الأوسط إلى مجرّد «أقلية» تحتاج إلى حماية سياسية أو قانونية. إنّ لغة «الأقليات» قد تكون مفيدة في بعض السياقات الحقوقية، لكنها لا تعبّر عن حقيقة الكنيسة كجسد المسيح الحيّ، ولا عن معنى حضورها في التاريخ. الوجود المسيحي، في نظر الكنيسة، هو قبل كل شيء سرّ، أي علامة منظورة لنعمة غير منظورة، ورسالة، أي دعوة إلى أن يكون المسيحيون شهوداً لملكوت الله في قلب المجتمعات التي يعيشون فيها. وقد نبّه القديس يوحنا بولس الثاني إلى هذا الأمر بقوله إنّ «الكنيسة لا تُعرَّف بالعدد بل بالشهادة»، مؤكّداً أنّ قوّة المسيحيين لا تُقاس بحجمهم بل بقدرتهم على أن يكونوا نوراً وخميرة. وهذا ما أكّده البابا بنديكتوس السادس عشر أيضاً حين قال إنّ «الوجود المسيحي في الشرق الأوسط ليس مسألة أعداد، بل مسألة هوية ورسالة»، مشيراً إلى أنّ الكنيسة لا تُقاس بمعايير القوة البشرية بل بمعايير الإنجيل. فالوجود المسيحي، في نظر الكنيسة، هو سرّ ورسالة: سرّ لأنّه علامة منظورة لنعمة غير منظورة، ورسالة لأنّه دعوة إلى أن يكون المسيحيون شهوداً لملكوت الله في قلب المجتمعات التي يعيشون فيها. ومن هنا، لا يمكن قراءة هذا الوجود فقط من خلال الأرقام أو موازين القوى، بل يجب أن يُقرأ أيضاً في ضوء الإنجيل، الذي يرى في «البقيّة الصغيرة» خميرة في العجين ونوراً في الظلمة وملحاً في الأرض، حتى عندما يبدو هذا الحضور ضعيفاً أو مهدَّداً.

لذلك، حين تقول الكنيسة «لا تخافوا»، فهي لا تدعو أبناءها إلى نوع من التفاؤل الساذج أو الإنكار النفسي، بل إلى قراءة الخوف نفسه في ضوء الإيمان. الخوف، في هذا السياق، يصبح علامة على هشاشة الإنسان وعلى محدودية قدراته، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يتحوّل إلى مكان للقاء مع الله، إذا ما اختاره المؤمنون أن يكون مناسبة للثقة لا للانسحاب. الكنيسة تعترف بأنّ الهجرة موجعة، وأنّ النزيف البشري يضعف المؤسسات، وأنّ العنف يهدّد الحياة اليومية، وأنّ الفقر يضغط على العائلات، لكنها في الوقت نفسه تؤكّد أنّ معنى الوجود المسيحي لا يُختزل في القدرة على البقاء العددي، بل في القدرة على الشهادة النوعية، أي في أن يكون المسيحيون، حيثما وُجدوا، علامات لرجاء يتجاوز منطق الخوف.

في سياق تعدّد الكنائس في الشرق الأوسط، تصبح الوحدة بين الكنائس عنصراً جوهرياً في الشهادة. فالوجود المسيحي الممزّق داخلياً يفقد الكثير من قدرته على أن يكون علامة رجاء. لذلك، حين تقول الكنيسة «لا تخافوا»، فهي تقول أيضاً: «لا تنغلقوا على ذواتكم». الانفتاح على الكنائس الأخرى، وعلى الجماعات المسيحية المختلفة، وعلى الشركاء في الوطن من أديان أخرى، هو جزء من هذا الموقف الذي يرفض أن يجعل الخوف معياراً للعلاقات. الوحدة هنا ليست مجرّد مشروع لاهوتي، بل ضرورة رعوية ووجودية، لأنّ التحدّيات التي يواجهها المسيحيون في الشرق الأوسط تتجاوز قدرة أي كنيسة منفردة على مواجهتها.

ومع ذلك، لا بدّ من الاعتراف بأنّ هذا الخطاب الكنسي، القائم على قراءة لاهوتية للوجود المسيحي في الشرق الأوسط، لا يلقى دائماً قبولاً لدى جميع المسيحيين. فهناك من يرفض هذا النوع من الكتابة، ويرى فيه نوعاً من الابتعاد عن الواقع أو محاولة لتجميله، وكأنّ الكنيسة تتحدّث من خارج الألم اليومي ومن خارج المعاناة الملموسة التي يعيشها الناس. ويذهب بعضهم إلى القول إنّ الخطاب الروحي، حين يواجه الأزمات، يبدو كأنّه يقدّم رجاءً غير قابل للتحقّق، أو كأنّه يتجاهل قسوة الظروف. غير أنّ هذا الاعتراض، على وجاهته الإنسانية، يغفل عن حقيقة أساسية في الإيمان المسيحي: أنّ للواقع زمانه، ولكن لكلمة الله واقعها. فالواقع، مهما كان قاسياً، يبقى محكوماً بمنطق الزمن، أمّا كلمة الله فتنتمي إلى منطق الملكوت، وتعمل في التاريخ من دون أن تُختزل فيه. ولذلك، فإنّ الكنيسة حين تتكلّم، لا تنكر الواقع ولا تهرب منه، بل تضعه في أفق أوسع، أفقٍ لا يلغيه بل يكشف معناه. وكما قال البابا فرنسيس: «الإيمان لا يزيل الألم، لكنه يفتح فيه نافذة للرجاء»، وهو رجاء لا يقوم على التفاؤل البشري بل على حضور الله الفاعل في التاريخ. ومن هنا، يصبح الخطاب الكنسي ليس خروجاً عن الواقع، بل دخولاً أعمق فيه، لأنّه يقرأه في ضوء كلمة لا تزول، ويذكّر بأنّ الحقيقة الأخيرة ليست للأزمات، بل لله الذي يعمل بصمت في قلب التاريخ.

المصدر: موقع أبونا