الأردن - الأب سالم لولص - في كلِّ عام، حين نحتفل بعيد القديس مار شربل، لا نحتفل فقط بذكرى راهبٍ عاش في ديرٍ بعيد، بل نحتفل بإنسانٍ اكتشف سرَّ السعادة الحقيقيّة: أن يكون الله هو كلَّ شيء في حياته.
لقد عاش القديس شربل في زمنٍ مختلف عن زمننا، لكنَّ قلب الإنسان لم يتغيّر كثيرًا. فما زلنا نبحث عن السلام، ونركض وراء النجاح، ونفتّش عن معنى لحياتنا. غير أنّنا كثيرًا ما نفتّش في الأماكن الخطأ. نعتقد أن المال يمنحنا الطمأنينة، وأن الشهرة تعطينا القيمة، وأن كثرة الممتلكات تجعلنا سعداء. لكنَّ مار شربل يذكّرنا، بحياته الصامتة، بأنَّ القلب لا يشبع إلا بالله.
قد يتساءل البعض: ما الذي جعل هذا الراهب المجهول يصبح واحدًا من أكثر القديسين انتشارًا في العالم؟ الجواب ليس في كثرة أعماله، ولا في كلامه، لأنَّنا لا نملك عنه عظاتٍ طويلة أو كتبًا كثيرة. إنَّ سرَّه كان بسيطًا للغاية: لقد عاش الإنجيل دون مساومة. كانت صلاته حقيقيّة، وكان تواضعه صادقًا، وكانت حياته كلُّها موجَّهة نحو الله.
إنَّ العالم اليوم يُقنعنا بأنَّ الإنسان يزداد قيمةً كلّما ظهر أكثر أمام الناس، أمّا مار شربل فقد علّمنا أنَّ الإنسان يزداد قيمةً كلّما اقترب أكثر من الله. العالم يقول: "اصنع اسمًا لنفسك"، أمّا القديس فيقول: "دع الله يكتب اسمك في السماء."
ولعلَّ أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو هذا الدرس. فنحن نعيش في عالمٍ مليءٍ بالضجيج، حيث لا يكاد الإنسان يجد دقيقةً يصغي فيها إلى صوت الله. هواتفنا لا تصمت، وأفكارنا لا تهدأ، وقلوبنا كثيرًا ما تمتلئ بالقلق. أمّا مار شربل، فيقول لنا إنَّ الصمت ليس فراغًا، بل لقاء. ففي الصمت كان يسمع صوت الله، وفي الصلاة كان يجد القوّة، وفي القرب من الإفخارستيا كان يستمدّ حياته.
لكن لا ينبغي أن نظنَّ أنَّ القداسة تعني الهروب من العالم. فالقديس شربل لم يهرب من الناس لأنَّه لا يحبّهم، بل اقترب من الله ليحبَّهم أكثر. ولذلك لم تنتهِ رسالته بموته، بل بدأت تنتشر في كلِّ أنحاء العالم. فكم من مريضٍ تعزّى، وكم من عائلةٍ استعادت الرجاء، وكم من إنسانٍ عاد إلى الله بسبب شفاعة هذا القديس.
وهنا يأتي السؤال الذي يوجّهه إلينا عيد مار شربل: ما الذي يشغل قلبي أكثر من الله؟ ما الذي يأخذ وقتي، واهتمامي، وأفكاري؟ هل أعطي لله المكان الأوّل في حياتي، أم أنَّه يأتي بعد كلِّ شيء آخر؟
لسنا جميعًا مدعوّين إلى أن نعيش في دير، لكنَّنا جميعًا مدعوّون إلى أن نعيش مع الله. القداسة ليست حكرًا على الرهبان والكهنة، بل هي دعوة لكلِّ معمَّد. يستطيع الأب أن يكون قديسًا بأمانته لعائلته، والأمّ بمحبتها وتضحياتها، والشابّ بطهارة قلبه، والموظّف بأمانته، وكلُّ واحدٍ منّا عندما يجعل المسيح محور حياته.
فلنطلب اليوم بشفاعة القديس مار شربل أن يمنحنا الرب نعمة القلب البسيط، الذي لا يبحث عن مجد العالم، بل عن مجد الله؛ والقلب الواثق، الذي يعرف أنَّ الصلاة ليست واجبًا، بل حياة؛ والقلب الشجاع، الذي يختار القداسة في عالمٍ يكتفي بالمظاهر.
ولنحمل معنا في هذا العيد رسالةً واحدةً من حياة مار شربل:
إذا أردتَ أن تغيّر العالم، فابدأ بأن تدع الله يغيّر قلبك.
فالقداسة لا تبدأ بصنع المعجزات، بل تبدأ بركوعٍ صادق أمام الله، وبقلبٍ يقول كلَّ يوم: "يا رب، أنت وحدك تكفيني." آمين.
المصدر: موقع أبونا.