Skip to main content

الحرب والسّلام اليوم في ضوء الكتاب المقدّس وتعليم البابوات المعاصرين

ابونا

بقلم : الأب ابراهيم شوملي

مقدّمة

منذ فجر التّاريخ، والإنسان يعيش صراعًا بين نزوعه إلى السّلام وانجرافه نحو العنف. الحرب ليست مجرّد حدث سياسيّ أو عسكريّ، بل تعبير عن أزمة وجوديّة عميقة في قلب الإنسان. وحين نتأمّل في واقعنا المعاصر، حيث تتصاعد النّزاعات وتتمزّق الشّعوب، نجد أنفسنا أمام سؤال ملحّ: ما الّذي يقوله لنا الوحي الإلهيّ وتعليم الكنيسة عن هذا الواقع المؤلم؟

يقول التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة: «السّلام ليس مجرّد غياب الحرب، ولا يُختزَل في ضمان التّوازن بين القوى المتعارضة. السّلام لا يمكن الحصول عليه على الأرض من دون صون خيرات الأشخاص، وحرّيّة التّواصل بين البشر، واحترام كرامة الأشخاص والشّعوب» (رقم 2304). السّلام، إذًا، ليس سكونًا، بل بناء دائم.

1. جذور الحرب: الخطيئة والانفصال عن الله

الحرب، بحسب اللّاهوت الكتابيّ، ليست جزءًا من الخلق الصّالح الّذي أعلنه الله «حسنًا جدًّا» (تكوين 1/ 31)، بل هي ثمرة مباشرة لانكسار العلاقة بين الإنسان والله، وبين الإنسان وأخيه. فمنذ أن قتل قايين أخاه هابيل، دخل العنف في نسيج التّاريخ البشريّ، وصارت الأرض تشرب دماء أبنائها.

يعقوب الرّسول يكشف جذور هذه المأساة: «مِن أَينَ الحُروبُ ومِن أَينَ الخُصوماتُ بَينَكُم؟ أَلَيسَت مِن لَذّاتِكُمُ المُتَصارِعَةِ في أَعضائِكُم؟» (يعقوب 4/ 1). الحرب الخارجيّة، إذًا، انعكاس للحرب الدّاخليّة في قلب الإنسان. الشّهوات والحسد والجشع تتحوّل إلى عنف حين يفقد الإنسان سلامه مع الله. والمسيح يؤكّد: «مِن داخِل، مِن قُلوبِ النَّاس، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئَة» (مرقس 7/ 21).

هذا ما أدركه المتنبّي حين قال: «والظُّلمُ مِن شِيَمِ النُّفوسِ فإِن تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ». فالظّلم متجذّر في النّفس السّاقطة، ولا يكفّ عنه الإنسان إلّا بنعمة تُحوّله. الخطيئة تُحوّل الآخر من أخ إلى خصم، فحين ينقطع الإنسان عن الله، مصدر المحبّة، يفقد القدرة على رؤية الآخر كصورة لله. جذور الحرب أربعة: الأنانيّة، والكبرياء، والخوف، وانعدام الثّقة، وكلّها تنبع من الانفصال عن الله.

البابا فرنسيس يصف الحرب بأنّها «إنكار للإنجيل» و«فشل سياسيّ وأخلاقيّ»، ويشدّد على أنّها ليست نتيجة خطايا فرديّة فحسب، بل أيضًا بُنى عالميّة غير عادلة تولّد العنف. في رسالته «كلّنا إخوة» (Fratelli Tutti, 2020) كتب: «كلّ حرب تترك العالم أسوأ ممّا كان عليه. الحرب فشل للسّياسة وللإنسانيّة، واستسلام مُخزٍ، وهزيمة أمام قوى الشّرّ» (رقم 261).

 .2مسيرة الوحي: من الأنبياء إلى المسيح

العهد القديم يروي حروبًا عديدة، لكنّ الله يقود شعبه تدريجيًّا نحو رؤية أسمى للسّلام. فالله لا يُشرعن العنف، بل يحتمله كجزء من ضعف الإنسان، ويعمل من داخل التّاريخ لتحويله. الأنبياء يكشفون هذه الحقيقة شيئًا فشيئًا. هوشع ينقل صوت الله: «إِنِّي أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحَة» (هوشع 6/ 6). وإشعيا يرسم أفقًا جديدًا يتجاوز منطق الحرب: «يَطبَعونَ سُيوفَهم سِكَكًا ورِماحَهم مَناجِل» (إشعيا 2/ 4).

لكنّ الذّروة تأتي في المسيح. فيه يصل الوحي إلى قمّته، ويتكشّف وجه الله الحقيقيّ: إله السّلام لا إله الحرب. المسيح يعلن: «طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون» (متّى 5/ 9). ويرفض منطق العنف حين يقول لبطرس في بستان الزّيتون: «رُدَّ سَيفَكَ إِلى مَكانِه، فإِنَّ جَميعَ الَّذينَ يَأخُذونَ بِالسَّيف، بِالسَّيفِ يَهلِكون» (متّى 26/ 52). ويقدّم سلامًا مختلفًا جذريًّا: «السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم» (يوحنّا 14/ 27).

على الصّليب، يفضح المسيح منطق العنف ويُظهر أنّه طريق مسدود. والقيامة تعلن انتصار الحياة على الموت، والنّعمة على الخطيئة، والسّلام على الحرب. المسيح هو سلامنا، كما يقول الرّسول بولس: «فإِنَّه سَلامُنا، هو الَّذي جَعَلَ مِنَ الجَماعَتَينِ جَماعةً واحِدَة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهُما، أَيِ العَداوة» (أفسس 2/ 14).

البابا بندكتس السّادس عشر شدّد على أنّ الله يكشف ذاته في الوداعة لا في القوّة، كما ظهر لإيليّا النّبيّ في «صوت نسيم خفيف» لا في الرّيح العاصفة أو الزّلزال أو النّار (1 ملوك 19/ 11-13). وقال البابا يوحنّا بولس الثّاني في رسالة يوم السّلام 2002: «الله ليس إله حرب، بل إله سلام. العنف لا يمكن أن يكون لغة الله».

 .3محبّة الأعداء: ثورة الإنجيل

إن كان هناك ما يميّز أخلاقيّات المسيح عن كلّ الأخلاقيّات البشريّة، فهو وصيّة محبّة الأعداء. هذه الوصيّة ليست مجرّد نصيحة سامية، بل جوهر الإنجيل وقلبه النّابض: «أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم، لِتَصيروا بَني أَبيكُمُ الَّذي في السَّموات» (متّى 5/ 44-45). ويضيف لوقا: «باركوا مَن يَلعَنُكم، وصَلُّوا مِن أَجلِ الَّذينَ يُسيئونَ إِلَيكُم» (لوقا 6/ 28).

الرّسول بولس يوضّح هذا المنطق المقلوب: «لا تَنتَقِموا لأَنفُسِكم أَيُّها الأَحِبَّاء... لا يَغلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بلِ اغلِبِ الشَّرَّ بِالخَير» (رومة 12/ 19-21). غلبة الشّرّ بالخير، لا بشرّ أكبر منه: هذه ثورة الإنجيل الحقيقيّة. والمسيح جسّدها على الصّليب حين صلّى من أجل صالبيه: «يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون» (لوقا 23/ 34).

محبّة الأعداء ليست ضعفًا، بل قوّة من يرفض الانجرار إلى منطق العنف ويكسر دائرة الشّرّ. الغفران لا يعني نسيان الظّلم، بل تحرير القلب من سجن الكراهية. قال جبران خليل جبران: «الحرب تصنع التّاريخ، والسّلام يصنع الحضارة». وفي المثل العربيّ: «الصُّلح سيّد الأحكام».

التّاريخ يشهد على إمكانيّة هذه الرّؤية. فبعد حربين عالميّتين، تحوّلت فرنسا وألمانيا من عدوّتين لدودتين إلى شريكتين في بناء أوروبا. روبرت شومان وكونراد أديناور، القائدان الكاثوليكيّان، رأيا في المصالحة واجبًا إنجيليًّا قبل أن يكون ضرورة سياسيّة. واللّاعنف الفعّال ليس استسلامًا، بل أسلوب مقاومة مبنيّ على الحقيقة والمحبّة، كما فعل غاندي ومارتن لوثر كينغ اللّذان استلهما من الإنجيل.

4. تعليم البابوات المعاصرين: نحو لاهوت للسّلام

حمل بابوات العصر الحديث راية السّلام بجرأة نبويّة. البابا القدّيس يوحنّا الثّالث والعشرون في رسالته «السّلام في الأرض» (Pacem in Terris, 1963) أكّد أنّ السّلام يُبنى على احترام حقوق الإنسان والنّظام الإلهيّ. والبابا القدّيس بولس السّادس في «ترقّي الشّعوب» (Populorum Progressio, 1967) أعلن أنّ «التّنمية هي الاسم الجديد للسّلام» (رقم 87)، وقال: «إذا أردت السّلام، فاعمل من أجل العدالة».

البابا القدّيس يوحنّا بولس الثّاني اعتبر الحرب «هزيمة للإنسانيّة»، ورأى أنّها تنبع من «هياكل الخطيئة» في الأنظمة الظّالمة. وفي لقاء أسّيزي 1986، جمع قادة الأديان للصّلاة من أجل السّلام قائلًا: «إمّا أن نسير معًا في سلام، وإمّا أن ننجرف جميعًا نحو الدّمار». وفي رسالته «إنجيل الحياة» (1995) حذّر من «ثقافة الموت» الّتي تولّدها الحرب.

البابا بندكتس السّادس عشر ركّز على العلاقة بين الحقيقة والسّلام: «حيث تُشوَّه الحقيقة، يولد العنف». وفي «المحبّة في الحقيقة» (2009) ربط بين الحقيقة والمحبّة كشرطين للسّلام، وأكّد أنّ السّلام مشروع تربويّ يبدأ من العائلة.

البابا فرنسيس يرفض فكرة «الحرب العادلة» بالمعنى التّقليديّ، ويقول في «كلّنا إخوة»: «لم يعد بإمكاننا التّفكير في الحرب كحلّ» (رقم 258). ويصف العالم بأنّه يعيش «حربًا عالميّة مجزّأة»، ويشدّد على مسؤوليّة تجارة السّلاح. وفي زيارته للعراق 2021، صلّى في الموصل المدمَّرة وقال: «الأخوّة أقوى من قتل الأخوة. السّلام أقوى من الحرب». ويدعو إلى «سلام اجتماعيّ» يقوم على الحوار ونزع السّلاح والعدالة، ويرى أنّ الكنيسة يجب أن تكون «مستشفى ميدانيًّا» يضمّد جراح الشّعوب.

5. صناعة السّلام: دعوة المؤمن والجماعة

السّلام ليس مسؤوليّة القادة فحسب، بل دعوة كلّ مؤمن. يقول الرّسول بطرس: «يَطلُبَ السَّلامَ ويَتبَعَه» (1 بطرس 3/ 11). والرّسول بولس: «فَلْنَسعَ إِذًا إِلى ما فيه السَّلام» (رومة 14/ 19). و«لِيَحمِلْ بَعضُكم أَثْقالَ بَعض» (غلاطية 6/ 2). والمسيح يضع المصالحة قبل العبادة: «اذهَبْ أَوَّلًا فصالِحْ أَخاك» (متّى 5/ 24).

المؤمن يصنع السّلام في مجالات عدّة: في العائلة بالحوار والغفران وحلّ النّزاعات بالمحبّة. وفي المجتمع برفض خطاب الكراهية ومساندة المظلومين وبناء جسور مع المختلفين. وفي الصّلاة بالشّفاعة من أجل السّلام والأعداء. وفي الشّهادة بعيش قيم الإنجيل يوميًّا. السّلام عطيّة ودعوة: نعمة من الله ومسؤوليّة بشريّة، يُبنى يومًا بعد يوم.

وفي الأرض المقدّسة، مهد المسيحيّة، يعيش المسيحيّون صراعًا طويلًا. هم شهود للألم من جميع الأطراف، ومدعوّون ليكونوا «خميرة سلام»: بالتّربية على التّعايش، وبالعمل الإنسانيّ، وبالصّلاة الدّائمة. بطاركة القدس وأساقفتها يدعون إلى «سلام عادل» يحترم كرامة الجميع. فمن هذه الأرض انطلقت بشارة السّلام، ومن أبنائها يُنتظر أن تبقى حيّة. قال محمود درويش: «نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا». هذا الحبّ للحياة جوهر السّلام: اختيار الحياة على الموت، والأمل على اليأس.

6. الحرب الحديثة: قراءة لاهوتيّة في أزمة أخلاقيّة

التّقدّم التّكنولوجيّ في الحروب المعاصرة -من المسيّرات حتّى الذّكاء الاصطناعيّ، ومن الهجمات السّيبرانيّة حتّى الضّربات الدّقيقة- لم يجعل الحرب أكثر «إنسانيّة» كما يُدّعى، بل جعلها أكثر بُعدًا عن الضّمير. فالقرارات تُتّخذ خلف شاشات بعيدًا عن الرّأي العامّ، ممّا يُضعف المساءلة الأخلاقيّة والسّياسيّة. ويصعب تحديد المسؤوليّة عن قتل المدنيّين حين تكون العمليّات آليّة أو عن بُعد. والجنديّ لم يعد يرى وجه الشّخص الّذي يُقتَل، ممّا يخلق انفصالًا نفسيًّا خطيرًا بين الفعل والضّمير.

من منظور لاهوتيّ، هذا الانفصال يهدّد جوهر الأخلاق المسيحيّة الّتي تربط بين الفعل والضّمير. التّكنولوجيا تُضعف هذا الرّابط، فتخلق فجوة أخلاقيّة تجعل الحرب أسهل، وأقلّ تكلفة سياسيًّا، وأكثر تدميرًا إنسانيًّا. الكتاب المقدّس يربط العنف دائمًا بالمسؤوليّة المباشرة: «مَن سَفَكَ دَمَ الإِنسان، بِالإِنسانِ يُسفَكُ دَمُه» (تكوين 9/ 6). هذا النّصّ يؤكّد أنّ سفك الدّم ليس فعلًا تقنيًّا، بل جريمة أخلاقيّة يتحمّلها الإنسان أمام الله. لكنّ التّكنولوجيا الحديثة تُخفي وجه الضّحيّة، وتُخفي يد القاتل، فتخلق مسافة خطيرة بين الفعل وضمير الفاعل. كما يحذّر الكتاب المقدّس من الظّلم الّذي يُمارَس في الخفاء: «لَيسَ شَيءٌ خَفِيٌّ إِلّا لِيُظهَر» (مرقس 4/ 22). الحرب الحديثة، بغياب الشّفافيّة، تُناقض هذا المبدأ الكتابيّ.

وحين تتحوّل الحرب إلى وسيلة لتحقيق نفوذ أو مكاسب سياسيّة، فهي تفقد أيّ شرعيّة أخلاقيّة. الكتاب المقدّس يدين بوضوح استخدام العنف لبناء سلطة أو إمبراطوريّة: «وَيلٌ لِمَن يَبني مَدينةً بِالدِّماءِ ويُؤَسِّسُ قَريةً بِالإِثم» (حبقوق 2/ 12). هذا النّصّ ليس مجرّد إدانة للعنف، بل إدانة لمنطق القوّة الّذي يجعل الإنسان غاية في ذاته، ويحوّل الشّعوب إلى أدوات. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ ينسجم مع هذا المبدأ، إذ يؤكّد أنّ الحرب لا يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق مصالح قوميّة ضيّقة، وأنّ السّلام لا يُبنى على الهيمنة بل على العدالة، وأنّ الشّعوب ليست وقودًا لصراعات القوى الكبرى.

العنف يولّد عنفًا، وهذه حقيقة لاهوتيّة قبل أن تكون سياسيّة. يسوع يعلن مبدأً جذريًّا: «جَميعُ الَّذينَ يَأخُذونَ بِالسَّيف، بِالسَّيفِ يَهلِكون» (متّى 26/ 52). هذا ليس حكمًا عقابيًّا فحسب، بل وصف لآليّة تاريخيّة: كلّ حرب تفتح الباب لحرب أخرى، وكلّ ضربة تُنتج ضربة مضادّة، وكلّ دم مسفوك يصرخ لدم جديد. الحروب الحديثة -خصوصًا بين القوى العظمى- تُحوّل العالم إلى سلسلة من ردود الفعل، حيث يصبح الانتقام منطقًا بديهيًّا، ويختفي صوت الحكمة والرّحمة.

واللّاهوت المسيحيّ يقوم على حقيقة أنّ كلّ إنسان يحمل صورة الله: «فخَلَقَ اللهُ الإِنسانَ على صُورَتِه» (تكوين 1/ 27). وبالتّالي، قتل المدنيّين ليس «خسائر جانبيّة»، بل اعتداء على صورة الله. وتبرير قتل الأبرياء بحجج «الأمن القوميّ» أو «الضّرورة العسكريّة» انحراف خطير. كلّ طفل يُقتل، وكلّ أمّ تُشرَّد، وكلّ جسد يُمزَّق، جرح في قلب الله نفسه. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يصرّ على أنّ كرامة الإنسان غير قابلة للتّفاوض، حتّى في زمن الحرب.

حين تتضمّن الحرب اغتيالات سياسيّة، وضربات استباقيّة، وسقوط مدنيّين، وتجاهل المسار الدّبلوماسيّ، وتهديدات نوويّة، فهي تفشل في تحقيق شروط «الحرب العادلة» كما طوّرها التّقليد المسيحيّ، وتتناقض مع مفهوم «السّلام العادل» الّذي تدعو إليه الكنيسة اليوم. الحروب الحديثة غالبًا لا تُخاض دفاعًا عن الأبرياء، بل لتحقيق توازنات قوّة. ولا تُدار بنيّة صادقة لتحقيق السّلام، بل لفرض إرادة سياسيّة. ولا تحترم التّناسب، لأنّ أسلحة اليوم قادرة على تدمير مدن كاملة. ولا تحمي المدنيّين، بل تجعلهم الضّحيّة الأولى.

لذلك، من منظور لاهوتيّ وأخلاقيّ، الحرب الحديثة بين القوى الكبرى تُعدّ غير أخلاقيّة. الكنيسة لا تنحاز إلى دولة ضدّ أخرى، بل تنحاز إلى الإنسان، وكرامته، وحياته، وحقّه في السّلام والعدالة. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، من «السّلام في الأرض» إلى «كلّنا إخوة»، يدعو إلى مقاومة منطق القوّة، وحماية الضّعفاء، وبناء الثّقة بين الشّعوب، ومعالجة جذور الظّلم، والسّعي إلى مصالحة حقيقيّة، وتفضيل الحوار على السّلاح، ورؤية الآخر كأخ لا كعدوّ: «لا يَغلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بلِ اغلِبِ الشَّرَّ بِالخَير» (رومة 12/ 21).

خاتمة

الحرب ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة سقوط الإنسان في الخطيئة. لكنّ الله لا يترك الإنسان في ضعفه، بل يفتح أمامه طريق السّلام عبر المسيح، الّذي يكشف أنّ القوّة الحقيقيّة هي قوّة المحبّة. تعليم الكنيسة يواصل هذا الخطّ، داعيًا إلى عالم أكثر عدالة وإنسانيّة، حيث تُهزم الحرب بالحقّ والرّحمة والمصالحة.

ونختم بكلمات المسيح: «السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم... فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ» (يوحنّا 14/ 27). «قُلتُ لَكم هٰذهِ الأَشياء لِيَكونَ لَكُم بِيَ السَّلام. تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، ولٰكِن ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم» (يوحنّا 16/ 33).