تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يصنع احترام كرامة الإنسان سلامًا حقيقيًّا ودائمًا؟

اسي مينا

يُعلّمنا البابا يوحنّا الثالث والعشرون في رسالته العامّة «السلام في الأرض» أنّ أيّ تنظيم اجتماعيٍّ صالح يستوجب الاعتراف بكرامة كلّ إنسان، باعتباره شخصًا يتمتّع بحقوقٍ وواجبات ثابتة، احترامها واجبٌ بلا استثناء، وسابقٌ في أهميّته أيّ خيارٍ سياسيٍّ أو اقتصاديّ.

لذا، فجميعنا مدعوّون إلى التزام «روح الحق» في العلاقات الإنسانيّة، متجاوزين منطق الكذب والمجاملة والتملّق والمصالح الضيقة، لصالح علاقات قائمة على قِيَمٍ راسخة ووضوحٍ في التعامل، كما شرح المطران حبيب هرمز، راعي أبرشيّة البصرة الكلدانيّة والزائر الرسوليّ في أوروبا في  حديثه، منطلِقًا من هذه الرسالة العامّة. وبيّنَ أنّ بناء مجتمعٍ سليمٍ يقتضي تأسيسه على ركائز: العدل، والمحبّة، والحرية المسؤولة، وجميعها لا تتكامل إلّا باحترام الشخص البشريّ وصون كرامته والإقرار العلنيّ بحقوق أفراد المجتمع، دون استثناء، قبل واجباتهم.

وأكّد أنّ العدل هو الضامن الأساس للحقوق، وكذلك الواجبات المتبادلة بين الأفراد والمؤسّسات، بما يخدم الخير العام ويعزّز استقرار المجتمع، «فمَن ضمِنَ حقوقه، اجتهدَ في أداء واجباته»، وفق هرمز. وشدّد على أنّ عيش المحبّة يُضفي على منظومة الحقوق والواجبات بُعدًا إنسانيًّا يفيض شعورًا بالآخَر واحتياجاته ويمنح العلاقات الاجتماعيّة عمقًا تضامنيًا يحميها من الانتهازيّة والأنانيّة، ويؤسّس لثقافة تشاركيّة حقيقيّة. «فتصبح عندئذٍ الحريّة، المسؤولة والموجَّهة بالضمير، قوّةً بنّاءة تُسهم في نموّ الشخص والمجتمع معًا، بالطريقة التي تليق بكائنات عاقلة خلِقت لتتحمّل مسؤوليّات أعمالها».

ليس بناء المجتمع عملية آنيّة، بل طويلة الأمَد، تتطلّب نضجًا في ممارسة الحقوق والواجبات، المرتكزة على ثقافة العدل والمحبّة والحريّة، بعيدًا من التعالي والفوقيّة والذهنيّة الطائفيّة وكل ما يُضعف الثقة ويعمِّق الانقسام. وفي هذا الشأن، أبرزَ هرمز حاجة عالم اليوم الذي تمزّقه الصراعات والحروب الدامية، إلى إعادة اكتشاف هذه الفضائل «فيتّخذها أساسًا لتجديد بنيته المجتمعيّة، جاعلًا احترام الشخص البشريّ الركيزة الأولى فيها، والشرط الأساس لسلامٍ حقيقيّ ودائم. فكرامة الإنسان ليست تفصيلًا ثانويًا في الحياة العامة، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه كل نظام سياسيّ أو اقتصادي عادل».

واستشهد بتعليم البابا لاوون الرابع عشر في رسالته «الإنسانية الرائعة» في شأن تعرّض كرامة الإنسان لخطر التهميش، إذ يقول: «في زمن الذكاء الاصطناعيّ يقع على عاتقنا واجب الحفاظ على إنسانيّتنا الأصيلة، وأن نحمي بمحبّةٍ عظمة الإنسانيّة التي تجلّت في كمالها بالمسيح».

ختامًا، أكّد هرمز أنّ «احترام حقوق الإنسان وصون كرامته يؤسِّسان لمجتمعٍ مزدهر قائمٍ على العدالة والتضامن، خالٍ بالتالي من النزاعات والصراعات، ويفيض رجاءً ومحبّة، فيما يؤسّس تهميش الكرامة الإنسانيّة وغياب هذه الفضائل الأساسيّة لمجتمعٍ قاسي القلب، يضعف فيه الحسّ بالمسؤوليّة وتتبدّى مظاهر الفوضى والفساد، وسرعان ما يشرع في الانزلاق نحو ثقافة الإقصاء والعنف والموت».

المصدر: آسي مينا / جورجينا حبابه